عبد العزيز كعكي
50
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
في هذا الموضوع ، وقطعت مراحل متقدمة في تطوير مواد البناء المحلية ومعالجتها ، ووضع الضوابط والخصائص والمعايير المناسبة لاستخدامها كمواد بناء محلية لعمارة المباني والمنشآت ، ومن أشهر تلك الدول بريطانيا وألمانيا . وقد كانت عمارة الحصون والأطام في يثرب من أهم وأبرز المعالم المعمارية التي ظهرت آنذاك ، وقد حظيت هذه العمارة بالفخامة والمتعة ، فعلت أسوارها ، وعظمت أبراجها حتى ظهرت كقلاع حصينة لا يمكن اقتحامها أو الوصول إلى من بداخلها ، والروايات التاريخية التي تشير إلى ذلك كثيرة فمنها ما ذكره ياقوت الحموي في معجمه تحت مسمى مدينة يثرب وذلك عندما ذكر قدوم أبي جبيلة لنجدة مالك بن العجلان وانتقامه من اليهود فقال : ( وأقبل سائرا من الشام - يعني من جبيلة - في جمع كثير مظهرا أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة ونزل « بذي حرض » ثم أرسل إلى الأوس والخزرج أنه على المكر باليهود عازم على قتل رؤسائهم وأنه يخشى متى علموا بذلك أن يتحصنوا في آطامهم ) « 1 » . ويلاحظ من ذلك أن دخول اليهود إلى تلك الآطام سيجعل من المستحيل الوصول إليهم مما يدل على عظمة وحصانة تلك الآطام التي كانت بالنسبة لهم الحصن المنيع والدرع الحصين . وقد شكلت عمارة الحصون بمجملها مدينة محصنة يصعب على أي مغير الوصول إليها ، فبنت القبائل والبطون آطامها متجاورة بعضها إلى بعض مع احتفاظ كل حي بإدارة شؤونه الخاصة . ومن مجموع تلك الأحياء ظهرت الآطام والدوائر المحصنة التي تكونت منها مدينة يثرب آنذاك . وقد شهد النبي صلى اللّه عليه وسلم بحصانة المدينة لما رآه في منامه إبان غزوة أحد ، قال الواقدي : ( ورأى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم رؤيا ليلة الجمعة فلما أصبح رسول الله صلى اللّه عليه وسلم واجتمع المسلمون خطب بهم ، ومما قال : ظهر النبي صلى اللّه عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « أيها الناس إني رأيت في منامي رؤيا ، رأيت كأني في درع حصينة ، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته ، ورأيت بقرا تذبح ، ورأيت كأني مردف كبشا ، فقال الناس : يا رسول الله فما أولتها ؟ . . قال : فأما الدرع الحصينة فالمدينة ، فامكثوا فيها ، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي ، وأما البقر المذبح فقتلى في أصحابي وأما أني مردف كبشا ، فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله ) « 2 » . ومما يشير إلى عظمة بناء وعمارة تلك الآطام والحصون ما جاء في المدة التي
--> ( 1 ) « معجم البلدان » - ياقوت الحموي - ج 1 ص 85 . ( 2 ) « المغازي - الواقدي » - ج 1 ص 209 .